المقريزي

551

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

يعرف له أمر ، قد قرّر في ممالكه نواميس لا تغيّر بوجه من الوجوه ، ورتّب عدة جواسيس من سائر الطّوائف أعلاها وأدناها بثّهم في أقطار الأرض ، فداخلوا ملوك المشرق والمغرب ، وأمراء الدّول ، وأعيان كلّ مدينة وعامّتها ، حتى عرفوا جميع أحوالها ، وطالعوه به مراسلة ومشافهة ، ومياهها ، وأحوال المدن ، وهيئة أسواقها ومسالكها ، وزيّ أهلها ، وأحوال ملوكها وعساكرها ورعاياها ، ثم يتصرف في ذلك بفكره حتى إذا دخل مدينة واجتمع به أحد من أعيانها شرع يسأله عن فلان وفلان وما جرى في تلك المدينة من الوقائع والحوادث والحروب ونحو ذلك ، بحيث يحسب ذلك السّامع أنه كان حاضرا ومشاهدا لما يحدّث به . وكان يطرح على العلماء مغالطات ويحكي صور مباحث ، حتى يظنّون أنه من أئمة العلماء ، وممن له قدم راسخة في العلم ، كلّ ذلك بقوة فهمه وجودة فكره واقتداره على إبراز ما يختار ، وله في كلّ ذلك أخبار عجيبة ونوادر بديعة ، منها ما أخبرني به شيخنا الأستاذ العلامة أعجوبة الزمان قاضي القضاة وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ الإشبيلي رحمه اللّه ، قال : أخبرني زين الدين عبد الجبار بن نعمان الدين ، قال : ركب الأمير تيمور في يوم الخميس وأمرني ، فركبت وليس معه سوى رجل واحد في ركابه ، وسار من معسكره وهو نازل على مدينة دمشق ، وقصد عسكر المصريين وهم قيام على خيولهم ، حتى دنا منهم ، ثم وقف طويلا وأمر الرّجل الذي في ركابه أن يمضي نحو العسكر المصريّ حتى يقرب منه ، ثم يرجع إليه فيخدمه بانحنائه كأنّه يقبّل له الأرض ففعل ذلك وتمهّل قليلا قليلا ثم لوى عنان فرسه عائدا إلى معسكره ، وقال لي : يا عبد الجبار هؤلاء يهربون في هذه الليلة ، ونزل بمخيّمه وأقمنا يومنا ، فلما كان في اللّيل جاءتنا الأخبار بفرار الملك الناصر فرج بن برقوق وأمرائه ، فخرج من مبيته وصرنا إليه مع أمرائه ليلا ، فسألته من أين عرف الأمير أنهم يهربون ؟ فقال : إني لما سرت لرؤيتهم لم أر لهم كشّافة ، فدنوت منهم وتأمّلتهم ، فإذا هم